ابراهيم بن محمد البيهقي
275
المحاسن والمساوئ
مستذلّ مستضعف ، وعليك بالاستبداد فإنّ صاحبها أبدا جليل في العيون مهيب في الصدور ، ولن تزال كذلك ما استغنيت عن العقول ، فإذا افتقرت إليها حقرتك العيون ورجفت بك أركانك وتضعضع شأنك وفسد تدبيرك واستحقرك الصغير واستخفّ بك الكبير وعرفت بالحاجة إليهم ، وقد قيل : نعم المستشار العلم ونعم الوزير العقل . وممّن اقتصر على رأيه دون المشاورة أبو جعفر المنصور ، فإنّه لمّا حدث من أمر إبراهيم ومحمّد ابني عبد اللّه بن الحسن ما حدث أمسك المنصور عن المشاورة واستبدّ برأيه وأقبل على السهر والخلوة ولم يذكر أمرهما لأحد من أهله ، وكان تحته مصلّى قد تفزّر لحمته وسداه وكان جلوسه ومبيته عليه فلم يغيّره ، وعليه جبّة خزّ دكناء قد درن جيبها فلم يغيّرها حتى ظفر ، وكان يقول في تلك الحال : إيّاك والمشورة فإن عثرتها لا تستقال وزلّتها لا تستدرك ، فكم قد رأيت من نصيح عاد نصحه غشّا ! ومنهم الرشيد فإنّه حكي عنه أنّه بعث ذات ليلة إلى جعفر بن يحيى : إني قد سهرت فوجّه إليّ بعض سمّارك . فوجّه إليه بسمير له كوفيّ ، فسامره ليلته ، فلمّا أن رجع سأله جعفر عن خبره . فقال : سامرته ليلتي كلّها فأنشدته فما رأيته استحلى إلّا بيتين من شعر أنشدتهما إيّاه فإنّه أولع بهما وما زال يأمرني بتكريرهما عليه حتى حفظهما . فقال جعفر : وما هما ؟ قال : ليت هندا أنجزتنا ما تعد * وشفت أنفسنا ممّا تجد واستبدّت مرّة واحدة * إنّما العاجز من لا يستبد فقال له جعفر : أهلكتني واللّه وأهلكت نفسك ! قال : وكيف ذاك ؟ قال : إنّه كان أن لا غنى به عني وعن مشورتي ولم يكرّر البيتين إلّا وقد عزم على ترك مشاورتي والاستبداد بالرأي . فقتله بعد حول . وقال الشاعر في مثله : بديهته وفكرته سواء * إذا ما نابه الخطب الكبير وأحزم ما يكون الدّهر رأيا * إذا عمي المشاور والمشير وصدر فيه للهمم اتّساع * إذا ضاقت بما فيه الصّدور ومنهم الشّعبيّ ، فإنّه ذكر أنّه كان صديقا لابن أبي مسلم كاتب الحجّاج وأنّه لمّا قدم به على الحجاج لعنه ، فقال له : أشر عليّ . فقال : ما أدري بما أشير ولكن اعتذر بما قدرت عليه . وأشار عليه بذلك جميع أصحابه . قال الشعبي : فلمّا دخلت خالفت مشورتهم ورأيت واللّه غير الذي قالوا ، فسلّمت عليه بالإمرة ثمّ قلت : أصلح اللّه الأمير ! إنّ الناس قد أمروني أن أعتذر بغير ما يعلم اللّه أنّه الحقّ ، وأيم اللّه لا أقول في مقامي هذا إلّا الحق ! قد جهدنا وحرّضنا فما كنّا بالأقوياء الفجرة ولا بالأتقياء البررة ، ولقد نصرك اللّه علينا وأظفرك بنا ،